عبد الملك الجويني

49

الشامل في أصول الدين

هي هما ، فكيف تكون الواحدة اثنتان ؟ ولا معنى للاطناب في مثل هذا الباب . فإن بنى النظّام معتقده على نفي النهاية عن الجواهر ، نقلنا الكلام معه وقابلنا البناء بالبناء . ثم نقول : لو سلمنا لك المسألة الأولى جدلا ، لم يكن في تسليمها إثبات غرضك في هذه المسألة ، فإنا نقول : لم جوزت وجود جملة لا تتناهى ، وهي متحيزة بحيث وجود جملة مثلها ؟ فيبطل ما قاله على المنع والتسليم . فإن قيل : قد أوضحتم استحالة تداخل الجواهر ، فأوضحوا لنا المانع من ذلك . قلنا : إن سألتمونا الدليل ، فقد قدمنا ما فيه مقنع ، وإن رمتم بما أبديتم إظهار موجب لامتناع التداخل نازل منزلة العلة للمعلول ، فاعلموا أن هذا الامتناع مما لا يعلل بعلة . وليس جملة الأحكام معللة ، بل هي منقسمة : فمنها ما يصح تعليلها ، ومنها ما ثبت قطعا ، ولكن لا يصح تعليلها . وكل ما يرجع إلى الاستحالة والامتناع فلا يعلل قطعا . فخرج من ذلك أن النفي لا يعلل ، والثابت من الأحكام ينقسم إلى أن منه ما يعلل ، ومنه ما لا يعلل ، على ما سنذكره إن شاء اللّه عز وجل . وذهبت المعتزلة إلى أن المعنى الموجب لامتناع التداخل التحيز ، وهذا باطل عند أهل الحق . إذ لو صح لجاز تداخل الأعراض من حيث لا تتحيز ، ولجاز هذا الوصف في ذات الرب تعالى مع استحالة تحيزه . فصل فإن قال قائل : هل ينقسم كل خط نصفين ؟ قلنا : خط تركب من شفع تشطر وتوازي الشطران في عدد الأجزاء ، وكل خط تركب من وتر فلا نصف له ، إذ في تقدير نصفه ، تثبيت النصف للجوهر الفرد . فيخرج من ذلك أن الخط الذي هو طول بلا عرض عند الهندسيين ، إذا تركب من أفراد هي وتر بالعدد ، فلو جزئ وقرب بأقصى الجهد أحد الجزءين من الآخر ، فصل أحد الجزءين بجزء ولا يتجزأ . فصل فإن قيل : هل يتركب محيط دائر من خط متركب من أفراد جواهر ؟ قلنا : إذا تركب الخط من أفراد جواهر ، فقد اختلف أهل الكلام في تجويز تقديره محيطا . فذهب بعضهم إلى امتناع ذلك واستدل بشيئين : أحدهما : أن كل خط مستطيل ذي